الحلبي

474

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فلما مات أرسل له صلى اللّه عليه وسلم قميصه ليكفن فيه ، لأنه يجوز أن يكون إرساله للقميص بسؤال ولده له صلى اللّه عليه وسلم بعد موت أبيه . قال في الكشاف : فإن قلت : كيف جازت له صلى اللّه عليه وسلم تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه . قلت : كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له ؛ وذلك أن العباس عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا ، وكان رجلا طوالا ، فكساه عبد اللّه قميصه : أي ولأن الضنة بإرساله القميص سيما وقد سئل فيه مخلّ بالكرم ، وقال له المشركون يوم الحديبية : إنا لا نأذن لمحمد ولكن نأذن لك ، فقال : لا ، إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة ، فشكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له ذلك وإكراما لابنه . وفي هذا تصريح بأن ابن أبي كان مع المسلمين في بدر وفي الحديبية . ثم إن ابنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي عليه ، فقال له : أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الأعداء : أي وذلك بعد سؤال ولده له صلى اللّه عليه وسلم في ذلك كما تقدم عن القاضي البيضاوي ، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر رضي اللّه تعالى عنه ، فأخذ بثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا رسول اللّه أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما خيرت ، فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التّوبة : الآية 80 ] وسأزيده على السبعين ، وفي رواية : أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا ؟ أعدّ عليه قوله ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : أخر عني يا عمر ، فلما أكثرت عليه قال : إني خيرت ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها ، فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [ التّوبة : الآية 84 ] إلى قوله وَهُمْ فاسِقُونَ [ التّوبة : الآية 84 ] ولينظر ما معنى التخيير في الآية ، وما الجمع بين قوله « سأزيد على السبعين » وقوله « ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها » ؟ . ثم رأيت القاضي البيضاوي قال في وجه التخيير : وقوله سأزيد على السبعين إنه صلى اللّه عليه وسلم فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل ، فجوّز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه ، فبين له : أي الحق سبحانه أن المراد به التكثير بقوله في الآية الأخرى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ المنافقون : الآية 6 ] هذا كلامه وحينئذ يشكل قوله « لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها » فإن هذا مقتض لعدم الصلاة عليه ، لا للصلاة عليه فليتأمل ، وقد قال علي رضي اللّه تعالى عنه : إن في القرآن لقرآنا من رأي عمر ، وما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر . وقد أوصل بعضهم موافقاته : أي الذي نزل القرآن على وفق ما قال وما أراد